الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

199

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وظرف وَراءَ ظَهْرِهِ في موضع الحال من كِتابَهُ و يَنْقَلِبُ إِلى أَهْلِهِ أي يرجع . والانقلاب : الرجوع إلى المكان الذي جيء منه ، وقد تقدم قريبا في سورة المطففين . والأهل : العشيرة من زوجة وأبناء وقرابة . وهذا التركيب تمثيل لحال المحاسب حسابا يسيرا في المسرّة والفوز والنجاة بعد العمل الصالح في الدنيا ، بحال المسافر لتجارة حين يرجع إلى أهله سالما رابحا لما في الهيئة المشبه بها من وفرة المسرة بالفوز والربح والسلامة ولقاء الأهل وكلهم في مسرة ، فذلك وجه الشبه بين الهيئتين وهو السرور المألوف للمخاطبين فالكلام استعارة تمثيلية . وليس المراد رجوعه إلى منزله في الجنة لأنه لم يكن فيه من قبل حتى يقال لمصيره إليه انقلاب ، ولأنه قد لا يكون له أهل . وهو أيضا كناية عن طول الراحة لأن المسافر إذا رجع إلى أهله فارق المتاعب زمان . والمراد بالدعاء في قوله : يَدْعُوا ثُبُوراً النداء ، أي ينادي الثبور بأن يقول : يا ثبوري ، أو يا ثبورا ، كما يقال : يا ويلي ويا ويلتنا . والثبور : الهلاك وسوء الحال وهي كلمة يقولها من وقع في شقاء وتعس . والنداء في مثل هذه الكلمات مستعمل في التحسر والتوجع من معنى الاسم الواقع بعد حرف النداء . وَيَصْلى قرأه نافع وابن كثير وابن عامر والكسائي بتشديد اللام مضاعف صلاه إذا أحرقه . وقرأه أبو عمرو وعاصم وحمزة وأبو جعفر ويعقوب وخلف وَيَصْلى بفتح التحتية وتخفيف اللام مضارع صلي اللازم إذا مسته النار كقوله : يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ [ الانفطار : 15 ] . وانتصب سَعِيراً على نزع الخافض بتقدير يصلّى بسعير ، وهذا الوجه هو الذي يطرد في جميع المواضع التي جاء فيها لفظ النار ونحوه منصوبا بعد الأفعال المشتقة من الصلي والتصلية ، وقد قدمنا وجهه في تفسير قوله تعالى : وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً في سورة النساء [ 10 ] فانظره . وقوله : إِنَّهُ كانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً مستعمل في التعجيب من حالهم كيف انقلبت